ابن حزم

76

رسائل ابن حزم الأندلسي

البادئ إلى القطيعة والمتاركة ، وكأنه يقول : أن وفائي يضيق عن الكذب مهما انبسط نطاقه واتسع . وقد بقيت تلك " الحدة الرومنطيقية " في معايشة الماضي محور شخصية ابن حزم حتى بعد سنوات من كتابة الطوق ، وأحسبها لم تتغير شخصية ابن حزم حتى بعد سنوات من كتابة الطوق ، وأحسبها لم تتغير إلى النهاية ، وإنما كانت تتلبس أشكالاً مختلفة ؛ وقد غرست في نفسه شعوراً بالظمأ الدائم ، لان ريه إنما يتم بالعودة إلى الماضي وذلك أمر مستحيل ؛ ولهذا كان واقع الحياة يزيد في حرارة ذلك الظمأ ، وفي مجال الحب عبر عن ذلك الشعور بقوله : " وعني أخبرك أني ما رويت قط من ماء الوصل ولا زادني الا ظمأ " ( 1 ) ، وإذا كان الصوفية يرون غايتهم في الفناء ، فان ظمأ ابن حزم لم يكن يشفيه إلا أحد شيئين إما الاتحاد النهائي بالمحبوب أو العودة إلى رحم الماضي ، وقد خلصته السن من الظمأ الأول وأبقت له الثاني . قلت إن " الحدة " لدى ابن حزم أخذت تتلبس من بعد أشكالاً مختلفة ، فقد أخذت تتمثل بعد عهد الطوق بالإفراط في الغضب والتعبير عن ذلك بالكلام والفعل والتخبط ، وكان يقابل ذلك أيضاً الإفراط في طلب الرضى ، ولكنه ظل يعالج هذين الأمرين فاستطاع التغلب على الغضب جملة ، وأعجزه ذلك في شأن الرضى ، وتشكلت الحدة أحياناً لديه بصورة " حقد مفرط " فقاومه بالطي والقهر ، حتى لم يبد للناس ، ولكنه ظل عاجزاً عن مصادقة من عاداه عداوة صحصحة - وهذا مطلب يعجز عنه أيضاً من لم يكن لديه حقد مفرط ، وكذلك تشكلت في صورة حب الشهرة والغلبة ، وقد ظلت هذه الصفة تلازمه إلا فيما لا يحل في الديانة ، فأما العجب الذاتي اللاحق بها فقد استطاع خنقه إلى الأبد . وأما الغيرة وسوء الظن المأتيان من تجاره مع الجواري ، فقد ظلا

--> ( 1 ) باب الوصل ( رقم : 20 : 184 ) .